الرئيسية / أبحاث و دراسات / الفدرالية الأمازيغية نظام حطمه الاستعمار الفرنسي لبسط نفوذه بالمغرب.

الفدرالية الأمازيغية نظام حطمه الاستعمار الفرنسي لبسط نفوذه بالمغرب.

شكوكي أمنار //

 

لعل أبرز مفهوم في هذا العنوان العريض هو مفهوم الفيدرالية الأمازيغية. فشيئا ما سيجعل القارئ يتساءل حول تركيب هاتين الكلمتين و كيف يمكن أن نجمع بينهما. خصوصا و أننا قد حددنا نوعا ما السياق التاريخي للموضوع المراد نقاشه. أي فترة الإستعمار الفرنسي للمغرب، و نعلم جيدا أن مفهوم الفيدرالية ليس من بين المفاهيم التي نشأت في هذه الفترة بالضبط. لذلك سيتسأل القارئ حول موضوعية العنوان و هل فعلا يستقيم أن نناقش هذه الإشكالية على هذا النحو.

قبل الخوض في نقاش الإشكالية لابد أن نعرج على مفهوم الفيدرالية كمفهوم مركزي في موضوعنا. و باعتبار ذلك سيعطينا إضاءات تمكننا من مسايرة موضوعنا.

الفيدرالية هي شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستوريا بين حكومة مركزية(أو حكومة فيدرالية او اتحادية) و وحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمد أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة. أما ما يخص الأقاليم والولايات فهي تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية و التنفيذية والقضائية ويكون وضع الحكم الذاتي للأقاليم، أو الجهات أو الولايات منصوصا عليه في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.

الحكم الفدرالي واسع الانتشار عالميا، وثمانية من بين أكبر دول العالم مساحة تحكم بشكل فدرالي. تعتبر الولايات المتحدة و كندا و سويسرا من بين الدول التي تتخده كشكل من أشكال التسيير.

إذن بعد هذا التعريف لمفهوم الفيدرالية هل يمكننا الحديث عن فيدرالية أمازيغية في مرحلة تاريخية لم يعرف فيها الأمازيغ وجود دولة خاصة بهم ؟ و هل فعلا يمكننا حصر شكل الفيدرالية في الدول الحديثة؟

بعد تعاقب مجموعة من الدول المحلية على حكم المغرب، و كذا الإستعمارات التي توالت عليه و فرضت عليها سيادتها بشكل أو بأخر. فقد وصلنا لمرحلة تاريخية ليست ببعيدة، ظهر فيه شكل أخر من أشكال تسيير الشؤون المحلية، فبحضور دول مركزية لم تستطع فرض سيطرتها و نفوذها على كل تراب المغرب، بقيت فقط مسيطرة على بعض الحواضر التي تعتبر مركزا لحكمها. لعبت القبائل دورا مهما في تسيير شؤون مناطق كثيرة بعيدا عن مركزية الدول المتعاقبة، و قد كرست نماذج متقدمة من الديموقراطية. و قد حاولت هذه الدول فرض سيطرتها على هذه القبائل لكن بدون جدوى.

استمر هذا النظام على حاله لعقود كثيرة حتى أتى الإستعمار الفرنسي، و توغل في الكثير من الأراضي، فالمقاومة التي لقيها من طرف القبائل الأمازيغية ليست وحدها ما يشكل عائقا أمام توغلها و بسط سيطرتها، بل أيضا نظام الحكم المنتشر بين القبائل. فقد عجز عن فرض نموذجه المركزي لإخضاع القبائل أمام الفيدرالية الأمازيغية التي تجعل كل قبيلة تحكم نفسها و تمنحها قوة و لحمة و حصانة من الاختراق. فسعى المستعمر الفرنسي لتحطيم هذا النسق بشتى الطرق.

البنية القبلية كانت من أهم الإشكالات التي أرقت الإستعمار الفرنسي و جعلته عاجزا عن فرض نفسه فسعى إلى فهمها أكثر حتى قبل الدخول إلى المغرب. و بعد الصعوبات التي واجهته في احتلال الجزائر سنة 1830، و للحد من إراقة الدماء و تكبد الخسائر، بدأ الفرنسيون يفكرون في طرق أخرى معتمدة على العلم و فهم المجتمع قبل غزوه.

“رايمون طيماسي كيما” من بين أهم منظري الغزو الإمبريالي رفع تقريرا لحكومته جاء فيه  “… على فرنسا أن تبادر إلى التعرف على ساحة المعركة حيث تنتظرها مصائر تزداد مجدا كلما كانت أقل دموية، وانتصارات تزداد رسوخا كلما نيلت بأسلحة سلمية والعلم هو أحد هذه الأسلحة وأول سلاح ينبغي توظيفه”.

فالبعثات الكولونيالية  اعتبرت من بين الإستراتيجيات الناجعة التي لجأت إليها فرنسا. فقد أرسلت مجموعة من المتخصصين في عدة مجالات  كالسوسيولوجيا، و الاثنولوجيا، واللسانيات، و الأركيولوجيا، والسيكولوجيا، و التاريخ، والأدب… كان هدفها فهم  أشكال التنظيم الاجتماعي و جميع مظاهر الحياة الدينية و أهم المؤسسات القائمة آنذاك، من أجل تسهيل الغزو و بسط السيطرة.

و من أهم الأشخاص أيضا في هذه البعثات  “ادمون دوتي” أحد أقطاب علم الاجتماع الاستعماري. و الراهب “ميشال دوفوكو” الذي قام بكتابة تاريخ سردي عام للقطر المغربي أرضا ورجالا وخيرات،  و “جاك بيرك” في دراسته على البنيات الاجتماعية للقبائل المغربية، وهو الذي توصل إلى أنه لدراسة واقع القبيلة المغربية دراسة موضوعية لابد من ربطها بمحيطها ووسطها الايكولوجي . و “ميشو بلير” الذي اهتم بدراسة تاريخ الفكر الديني بالمغرب و ركز كثيرا على مؤسسات الزوايا. و اعتمد على البحث السوسيولوجي الميداني فأصدر أنذاك دراسته المعنونة ب (مدن و قبائل المغرب). و ” روبير مونتاني” الذي قام بدراسة معمقة لقبائل سوس.

هؤلاء أذن من أهم المتخصصين الذين سخرتهم فرنسا لفهم المجتمع القبلي الأمازيغي، من جميع النواحي. و ذلك بهدف إيجاد وسائل ستمكنها من تحطيم بنية هذه المجتمعات. و هذا الكم الهائل من الدراسات التي أنجزوها لخير دليل على مدى قوة و تعقد النظام الفيدرالي الامازيغي لدى القبائل.

فكل هذا مكنها بطبيعة الحال بالإضافة إلى القوة العسكرية من اختراق القبائل و تحطيم بنيتها بتواطؤ مع المخزن المغربي، فبعد أن فهم المستعمر نقاط الضعف لهذه المجتمعات المصغرة المتمثلة في الجانب الديني خاصة و النزعة القبلية، قامت بتسخير مجموعة من الآليات من قبيل تكريس السلطة الدينية و ربطها بجهاز المخزن، و نشر ثقافة الأعيان و المحميون، و خلق شخصيات موالية للمستعمر بمنحها امتيازات و سلطة و أسلحة من أجل إخضاع القبائل الأخرى.

و هذا ما ساهم في تحطيم البنية القبلية، و إضعاف لمؤسساتها، ليتدخل المستعمر بعد ذلك بفرض مؤسساته العصرية، و خلق مؤسسات أخرى تابعة للمخزن الموالي له و هي التي لا تزال مستمرة ليومنا هذا. فكل تغيير تجرأه فرنسا على مؤسساتها إلا و يلقي بضلاله على مؤسسة النظام المخزني بالمغرب. و بعد هذا أصبحت القبائل و بنياتها المتماسكة و نظامها الفيدرالي، قصة تروى و أمجادا نفتخر بها.

شاهد أيضاً

التنسيقية المحلية للحراك الشعبي بالمنطقة تدعوا إلى وقفة احتجاجية ببويزكارن تضامنا مع الريف وضرورة تفجير حراك الشعبي بالمنطقة

بلاغ على خلفية الدعوة التي اطلقها مناضلو مدينة بويزكارن و النواحي على صفحات الفايس بوك، …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه:
Visit Us On FacebookVisit Us On Youtube