الرئيسية / أبحاث و دراسات / المجتمع المدني بين التنظير الكوني والواقع والمستقبل: قراءة في مسار العمل الجمعوي الأمازيغي بالمغرب

المجتمع المدني بين التنظير الكوني والواقع والمستقبل: قراءة في مسار العمل الجمعوي الأمازيغي بالمغرب

محمد أبلا ( لافيرتي) *

ينظر إلى المجتمع المدني على أنه أكثر الموضوعات التي راكمت زخما من الكتابات وجدال مثير في مجال الفكر السياسي، ابتدءا من بروز المفهوم خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، كنتاج للأفق الثقافي والفكري الذي رسمت معالمه الأساسية التجربة التاريخية الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كانت المجتمعات الأوروبية الغربية مسرحا لها في تلك الفترة التاريخية الموسومة ب “عصر الأنوار”.

لكن قبل الخوض في منطلقات التأسيس والتأصيل المفاهيمي لموضوع المجتمع المدني، سنعود إلى الجذور الفكرية للمفهوم التي تعود إلى حقب تطور الفكر السياسي الغربي بدءا من أفكار أفلاطون وأرسطو التي ساهمت في التنظير لمفهوم المجتمع المدني. فأفلاطون تناول النظرية السياسية والمجتمع المدني في سياق ما أسماه ببيان العدالة، من منطلق أن وجود العدالة في منظومة قيم الأفراد هو شرط أساسي لوجودها داخل المجتمع.

أما رؤية أرسطو للمجتمع المدني، انطلقت من فضيلة الصداقة التي تعتبر في فكره أساس بزوغ المجتمع تحت مسمى “صون الصداقة “، وهنا أرسطو يكون قد نادى باحتضان رؤية المجتمع المدني وتنظيره بذلك يبقى للفهم خلافا لمعلمه أفلاطون.

ويبقى مكيافيللي من بين المفكرين الذين أحدثوا نقطة تحول في موضوعات المجتمع المدني، بحيث أنه تناول هذا الأخير من وجهة نظر نمطين من النظم السياسية: النظام الملكي ونظام الجمهوريات. ومن خلال مسرحيته “ماندراجولا ”  يبين مكيافيللي أن المجتمع المدني بدون التقاليد الخاصة بالكوابح الأخلاقية التي تتطلبها الفضيلة المدنية قد يصبح مجرد مكان يضحي فيه الناس ببعضهم البعض، مؤسسا بذلك رؤيته هاته على الأخلاق الكاثوليكية، فمكيافيللي من خلال مقاربته هاته، ساعد في تحديد الرؤية وفتح بذلك الباب أمام نمط جديد من التنظير في موضوع المجتمع المدني ومجمل القضايا المرتبطة به، والتي سوف نناقشها من باب المقاربات الحديثة والمعاصرة التي تناولت المجتمع المدني والإشكالات المركزية المرتبطة به.

وعند فلاسفة التنوي، رغم اختلاف تنظيرهم للظاهرة والوجود السياسيين، إلا أن تنظيرهم انطلق من فكرة انفصال الفرد عن الدولة اعتبارا من حقوقه الطبيعية من خلال تحاكم الأفراد إلى صيغة قانونية افتراضية لتأسيس السلطة بمعيار دنيوي بدلا من المعيار الديني وهو ما يعرف ب ” العقد الاجتماعي”، وبهذا المعنى غدا المجتمع المدني عند هؤلاء المفكرين تعبيرا عن وعي الفرد بحقوقه في مواجهة السلطة. فتوماس هوبز انطلق من نظرية ” العقد الاجتماعي” التي تعتبر بمثابة الإطار العام الذي تبلور في سياقه المجتمع المدني، وهي نظرية قعد لها وأرسى مبادئها مفكرين كبار أمثال هوبز وروسو ولوك. وجاءت هذه النظرية لتجاوز ونقد نظرية الحق الإلهي في الحكم التي كانت تستمد مرجعيتها ومشروعيتها من حقل القداسة، حيث أن الأطروحة المركزية التي تعالجها هذه النظرية هي خروج المجتمعات وانتقالها من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع أو ما يسمى بالحالة المدنية القائمة على الاتفاق التعاقدي – المجتمع المدني – فالعقد الاجتماعي عند هوبز يمثل إطارا تعاونيا للمجتمع جوهره قبول الآخر وتأمين حرية كل فرد في المجتمع.

أما جون لوك فقد ناقش مفهوم المجتمع المدني في فكره السياسي من منطلق فكرة الثورة التي ساند تجربتها في انجلترا إبان القرن السابع عشر، والحقيقة أن فكر لوك السياسي قد ساند الرؤية القائلة بان البرلمان هو المصدر الأساسي للسلطة في الحكم، ومقصدنا هنا هو مناقشة رؤية لوك للمجتمع المدني وسيتبين أن الهم الأساسي عنده بحسب المفكر “ستيفن ديلو” في كتابه “التفكير السياسي والنظرية والمجتمع المجتمع المدني” هو دحض فكرة هوبز القائمة على الملكية المطلقة، في حين يتمركز فكر لوك على نقطة أساسية وهي السعي إلى دولة ذات سلطات محدودة. وتناول كذلك كيفية نشأة الدولة في المجتمع المدني اعتبارا من أن الدولة تنشأ عن طريق اتفاق الشعب بالإجماع على أن يخضعوا لحكم الأغلبية ويضيف لوك أن التزام أفراد المجتمع المدني بطاعة السلطة رهين بالتزام هذه الأخيرة بعناصر عقدها الاجتماعي المتوافق عليه مع كل أطراف الشعب.

في حين يمكن تناول أفكار جون جاك روسو حول قضايا المجتمع المدني كقراءة نقدية لما ورد في أطروحات وحجج عند كل من هوبز و لوك.

فالعقد الاجتماعي عند روسو يشكل مرحلة تاريخية نوعية في عملية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى حالة المجتمع المدني وهنا يربط روسو رباطا جدليا بين تكون المجتمع المدني وبين تأييده للعقد الاجتماعي، وعند مونتيسكيو يمثل المجتمع المدني أداة للوقاية من الاستبداد.

ورغم أن مفكري العقد الاجتماعي نظروا للمجتمع المدني خارج إطار الدولة، إلا أن الفيلسوف الألماني هيجل رأى بوجوب تماهي المجتمع المدني بالدولة من خلا إنكاره لنظرية العقد الاجتماعي لعدم قدرة المجتمع المدني حسب تعبيره على تحقيق الفاعلية دون الدولة، وحسب هيجل فالمجتمع المدني لا يجد مضمونه الحقيقي إلا في الدولة التي تجسد الحرية والقانون، ويضيف أن المجتمع المدني يظل مجتمع المصالح الفردية والمشاريع الخصوصية الخاصة أي مجتمع التملك الفردي و الانقسام والصراع ولا يجد خلاصه إلا في الدولة، وحسب رأيه يمثل المجتمع المدني فضاء للمنافسات والمواجهات بين المصالح الاقتصادية الخاصة وبذلك فهو يحتاج إلى دولة سياسية قوية متموقعة فوقه، ويؤسس كذلك فكرته المركزية حول المجتمع المدني من منطلق كون هذا الأخير مجالا لتقسيم العمل.

أما كارل ماركس فقد استفاد في تنظيره للمجتمع المدني من فكرة هيجل في رؤيته للدولة كمرحلة وسيطة تزول بإقامة النظام الشيوعي مما يدفع إلى زوال المجتمع المدني. فماركس استعمل هذا المفهوم لأول مرة سنة 1843م في سياق تحليله وتمييزه الكلاسيكي بين البنية الفوقية والبنية التحتية بحيث سيصنف المجتمع المدني كمكون أساسي من مكونات البنية التحتية على نحو اعتباره كقاعدة مادية للدولة على المستوى الاقتصادي والإنتاجي. كما سينظر إلى موضوع المجتمع المدني من منظار التناقض في مسيرة الحداثة الرأسمالية ومشروعها التحرري فهذا المشروع بتعبير ماركس ليس إلا مشروع استلاب جديد ومظهر من مظاهر التناقض الطبقي، وما يلفت الانتباه في المقاربة الماركسية للمجتمع المدني هو اعتبار هذا الأخير مفهوما برجوازيا وإطار لنظام السوق الذي يتيح للأفراد أن يتبعوا مصالحهم الخاصة.

وفي بداية القرن العشرين برز تحول جديد في مفهوم المجتمع المدني وعاد إلى الظهور من جديد مع المفكر الماركسي الإيطالي “أنطونيو غرامشي”، الذي يعد من خيرة الأنتلجانسيا الإيطالية وممن أحدثوا تحولات نوعية في مفهوم المجتمع المدني في تاريخ الفكر السياسي الكوني، كما أدخل على المفهوم بعدا حركيا من خلا تفريقه بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، فالعمل على مستوى المجتمع المدني كان بمثابة إستراتيجية جديدة تبلورت في فكر غرامشي السياسي وتقتضي البدء في معركة التغيير الاجتماعي المنشودة عبر تعبئة المثقفين لكسب معركة الهيمنة الإيديولوجية التي ستلعب دورا كبيرا في المساعدة على العبور إلى الخطوة الثانية وهي السيطرة على جهاز الدولة.

ومن جانب آخر يشكل المجتمع المدني مع الدولة عند غرامشي ما يعرف بالمنظومة السياسية في المجتمع ويسميها غرامشي ب ” الدولة الموسعة” ، كما أغنى غرامشي الجدال الماركسي الدائر حول تصنيف المجتمع المدني بعدما صنفه كبناء فوقي خلافا لكارل ماركس.

ويحظى هذا الموضوع في فكر غرامشي السياسي بمكانة هامة من خلال تطرقه لهذا الموضوع لمنجزه الفكري الموسوم ب “رسائل السجن”، بحيث يدرجه في إطار إشكالية كبرى تتعلق بالبحث في كيفية تحقيق الثورة الاشتراكية بالتزامن مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تعيشها إيطاليا في تلك الفترة، فإستراتيجية تحقيق الثورة من وجهة نظره تقوم على أساس الهيمنة الإيديولوجية على مكونات المجتمع المدني وذلك بواسطة استخدام “المثقف العضوي” و “المثقف الجمعي” لإنتاج الهيمنة والخطاب الثوري والإيديولوجية المضادة وتحقيق الثورة الاشتراكية في أفق السيطرة على الدولة/السلطة أي المجتمع السياسي.

ومن وجهة نظر غرامشي فالمجتمع المدني هو المجال الذي تتجلى فيه وظيفة الهيمنة الاجتماعية والإيديولوجية مقابل المجتمع السياسي الذي تتجلى فيه وظيفة السيطرة السياسية المباشرة. فبالرغم من تناول غرامشي لموضوع المجتمع المدني في إطار البراديغم الماركسي إلا أن فكرته المركزية تتجلى في أن المجتمع المدني ليس فضاء للتنافس الاقتصادي مثلما تناول ذلك هيجل وماركس، بل يعتبره كفضاء للتنافس الإيديولوجي وإنتاج الخطاب الرمزي.

فكما تناولنا ذلك مسبقا فالمجتمع المدني كمفهوم نشأ وتأسس و اكتسب معناه من خلال التجربة الفكرية والتاريخية الغربية، ولذلك فمن المهم كما قال الجابري: ” أن تكون البداية هي التعرف على مضمون ذلك الشعار كما هو مترسخ في وعي أهله “، وهو ما قمنا به في هذه المقالة.

فتركيبة المجتمع المدني في أي مجتمع ومجاله تحددها طبيعة المجتمع والنسق السياسي والاجتماعي السائد فيه، فالمجتمع المدني كممارسة وكتنظيمات ترسخ في الواقع اليومي ووعي إيمازيغن منذ القدم، فمن خلال كونه ممارسة حضارية واجتماعية وثقافية بل وحقوقية فقد تجلت معالمه في مختلف الجماعات والتنظيمات التقليدية التي اشتهر بها إيمازيغن في محيطهم الاجتماعي ومجالهم الجغرافي وتمثل ذلك في مجموعة من الأنظمة الاجتماعية التقليدية التي تنظمها مؤسسة “لجماعت” ويديرها مجلس “إنفلاس” على غرار مؤسسات “إكودار” وهي مؤسسات اجتماعية واقتصادية، ويوازي ذلك أنظمة اجتماعية متوازنة ك “تيويزي” التي تعبر عن العمل الجماعي التطوعي الذي يؤطره مبدأ التعاون وروح التعايش الإنساني الراقي، إضافة إلى أنظمة أخرى تجسد العمل التعاوني التناوبي على غرار نظام “توالا”، وهي كلها جماعات وأنظمة اجتماعية أمازيغية راقية تربي في مكونات المجتمع روح المبادرة والتضامن في العمل والتعايش اليومي، وتسهر على تنظيم هاته الجماعات والتنظيمات مؤسسة القبيلة كأعلى هيئة اجتماعية وسياسية في المجتمع الأمازيغي.

و عندما نتحدث عن المجتمع المدني “كمفهوم” فإنه لم يعرف تداولا في المغرب إلا في النصف الثاني إن لم نقل في الربع الأخير من القرن الماضي، فهو مفهوم دخيل على تراث الفكر السياسي بالمغرب. فبروز هذا المفهوم في مجال الفكر السياسي بالمغرب كانت وراءه مجموعة من التحولات والوقائع الاجتماعية والسياسية والحقوقية والاقتصادية التي كان المشهد المجتمعي بالمغرب مسرحا لها، وهي كلها عوامل مهدت الطريق للنخبة المثقفة الأمازيغية لتداول هذا المفهوم في أوساطها والتفعيل في سياقه خصوصا من خلال نشاطها بالجمعيات الثقافية والهيئات والمنتديات الثقافية والحقوقية باعتبارها من أكثر المؤسسات حضورا وتمثيلا للمجتمع المدني بالمغرب .

ولرصد تحولات وتفاعلات مكونات المجتمع المدني مع الأمازيغية كقضية وطنية سنحاول أن نسوق لمسار وفاعلية مجموعة من الجمعيات والمنظمات الثقافية والحقوقية وأدوارها البارزة في النهوض بالأمازيغية وخدمتها من باب العمل الثقافي في منظمات المجتمع المدني، فالتجربة الجمعوية الأمازيغية لعبت أدوارا طلائعية في تطور النضال الأمازيغي كما ساهمت في التأسيس للحراك الأمازيغي .

وتعتبر الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي من التجارب الناجحة كأول إطار جمعوي بالمغرب اهتم باللغة والثقافة الأمازيغيتين ابتدءا من تأسيسها سنة 1967(م)  وكان جل أعضاءها من أبناء الهامش وقدمت هذه إسهامات فكرية وأدبية في مجال التراث الثقافي والشعبي واهتمت بمشاكل المجتمع وآلامه.

وتعتبر هذه الفترة من تاريخ المغرب  المعاصر من أبرز المحطات التي أنجبت أنتلجانسيا أمازيغية قاومت وتحدت تسلط واستبداد المخزن متسلحة بسلاح الفكر الإنساني الراقي ومتمسكة بالحقيقة التاريخية من أجل رد الاعتبار للتاريخ والثقافة والهوية الأمازيغية وكان ذلك في سياق دولي مشحون رفعت فيه شعارات التحرر والثورة على القيم البائدة وأشكال التسلط المطلق في كل بقاع العالم كما لا تخلو هذه الفترة التاريخية من بعض النضالات الحرة والإرادية التي دافعت بقوة عن الأمازيغية وعن الهوية والوجود الأمازيغي وإعادة كتاب التاريخ وكان أبرزها على الإطار المثقف المناضل “علي صديقي أزايكو” أحد أعمدة الفكر الأمازيغي وهرم من أهرامات البحث التاريخي والعلمي الذين وضعوا لبنات ومنطلقات الفكر الأمازيغي الحداثي عبر تحيين مبادئه وأسسه وتكييفه مع متطلبات المرحلة الراهنة وهي كلها الخلفيات الثقافية والسياسية التي سيعتقل على إثرها المثقف الملتزم “علي صدقي أزايكو “سنة 1981م، وفيما بعد سيعرف المشهد المجتمعي تأسيس مجموعة من الجمعيات الثقافية والترابية المهتمة بالأمازيغية إذ ستعرف سنة 1978م  تأسيس جمعية “الانطلاقة الثقافية “بشمال الريف {الناضور} وهي نفسها الفترة التي ستتأسس فيها الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية والتي ستعرف فيما بعد بجمعية “تماينوت “. وبعد ذلك بسنة تم تأسيس جمعية الجامعة الصيفية بأكادير وستشهد فترة الثمانينات ركودا وجمود في ميدان العمل الجمعوي الأمازيغي إلى غاية بداية التسعينات التي سينتعش فيها العمل الجمعوي بعد تأسيس جمعية جديدة بكلميمة والتي ستحمل اسم الجمعية الاجتماعية والثقافية “تيليلي” {الحرية } إضافة إلى تأسيس كونفدراليات الجمعيات الأمازيغية بالجنوب تحت مسمى “تامونت ن إيفوس”

وستعرف هذه الفترة “التسعينيات ” مجموعة من التطورات والتحولات في دينامية العمل الجمعوي الأمازيغي من خلال ترجمة فكرة طرحت في أشغال الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية في شكل صيغة ميثاق جماعي تبنته مجموعة في الجمعيات الأمازيغية الحاملة لنفس الهم فمشروع هذا الميثاق طرح في سياق اتسم بسيطرة الإيديولوجية القومية العربية البائدة على المناخ السياسي العام خصوصا إعلان مهندسي المشروع القومي العروبي الوحدوي المزعوم من الماء إلى الماء عن بناء وتأسيس ما سموه “بالمغرب العربي “إحدى الخرافات السياسة في تاريخ المغرب المعاصر، وبدأ بذلك مجموعة من الفاعلين في الجمعيات الثقافية الأمازيغية في  تسليط الأضواء على الجوانب التاريخية والسياسية الأيديولوجية والثقافية واللغوية الأمازيغية كقضية وطنية واستمر هذا العمل الثقافي والفكري والتحرري إلى غاية 1991 م فترجم في صيغة ميثاق حول اللغة والثقافة الأمازيغية وهو ما يعرف في أدبيات الحركة الأمازيغية ب ” ميثاق أكادير”، و هي الفترة نفسها التي ستعرف ميلاد الحركة الثقتفية الأمازيغية كتنظيم راديكالي ديمقراطي وحداثي يتبنى المقارعة الفكرية وحامل لخطاب تحرري، يناضل من أجل القضية الأمازيغية بالجامعة المغربية، وهي نقطة تحول مهمة في مسار تطور المجتمع المدني الأمازيغي بالمغرب وفي سيرورة تطور الوعي بالهوية الأمازيغية.

وفي فاتح ماي من سنة 1994م سيتم اعتقال مجموعة من مناضلي جمعية “تيليلي” بعد رفعهم لافتة مكتوبة ب ” الحرف الأمازيغي ” تيفيناغ” وهي محطة تاريخية أساسية في مسار النضال الأمازيغي وبعد ذلك بعامين سترفع مجموعة من الجمعيات الأمازيغية وعددها 18 جمعية مذكرة إلى القصر مضمونها الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة وهوية وهي المساعي التي سيتم تجاهلها في ديباجة التعديل الدستوري لسنة 1996م  ليستمر بذلك المخزن في إقبار الأمازيغية ليشهد بعد ذلك المناخ السياسي العام بالمغرب تحولات وتغيرات شملت أعلى هرم السلطة بعد وفاة الديكتاتور الحسن الثاني وإعتلاء خلفه في التسلط والاستبداد لمقاليد السلطة وهي الفترة ذاتها التي سيقوم فيها الأستاذ محمد شفيق بتحرير بيان بشأن ضرورة الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب عرف ببيان شفيق وذلك في مارس من سنة 2000 م  لتفتح بذلك صفحة جديدة من مسلسل إقبار واحتواء إرادات الأمازيغ ومساعيهم .

فغياب الإستراتيجية والتصور الفكري المحكم للعمل الثقافي الجمعوي الأمازيغي، كان عنوان مرحلة أزمة المجتمع المدني الأمازيغي وتجلى ذلك في الاعتراف السياسي لأغلب مكونات وتنظيمات المجتمع المدني حتى أصبحت بذلك هذه الأخيرة قريبة من دواليب السلطة في المجتمع السياسي مما أفرغها من معناها ومحتواها الواقعي والموضوعي.

مع بعض الاستثناءات فالمجتمع المدني المعانق لهموم الأمازيغ والأمازيغية أضحى بفعالياته صغيرا من حيث العطاء مقارنة مع حجم القضية الأمازيغية التي يجب أن تكون فوق كل اعتبار بعيدا عن الصراعات الضيقة، بعدما أصبحت فئة من الجمعيات أبواقا وقنوات يصرف فيها بعض المفعول بهم برامج وتوجهات البوتيكات السياسية المخزنية .

فالمجتمع المدني أولا قبل كل شيء يحتاج إلى نظام ديمقراطي يرعاه باعتباره حاجة مجتمعية وشريك أساسي في برامج التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ففي المغرب مثلا لازال المجتمع المدني لم ينل بعد مكانته في الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي بل وحتى الأكاديمي ضمن حركات التغيير الاجتماعي ومسار دينامكيتها ومحتواها الواقعي والموضوعي.

إن راهن مشهد العمل الجمعوي الأمازيغي يتحتم على كل الفاعلين والمناضلين في إطاراته استشراف المستقبل، وإعادة النظر في مجموعة من الأمور والإشكالات المركزية المطروحة، ويضع الكل أمام حتمية تغيير آليات العمل وتكييفها مع مستجدات وواقع المرحلة خصوصا في ظل الهجمة الشرسة المخزنية على كل مكونات وإطارات النضال الأمازيغي، وبالتالي البحث في محاولة إعادة بناء مجتمع مدني أمازيغي فاعل ونشيط رأسماله الرمزي والمادي ومحركه مثقفين عضويين وملتزمين سلاحهم الوعي والفكر والإرادة لتجاوز إرهاصات راهنية العمل الجمعوي الأمازيغي وضعف فاعليته الذي أضحى من معيقات أزمة المشروع المجتمعي الأمازيغي المؤجل.

فبناء مجتمع مدني أمازيغي فاعل متبني القضايا و الإشكالات المطروحة {قضية الأرض، التهميش، الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب كهوية للدولة والشعب…} من شأنه أن يؤسس لمشروع مجتمعي بل هو من أنجع السبل لتشكيل وبناء مشروع مجتمعي أمازيغي متكامل.

—————————-

المراجع:

* مجموعة باحثين،غرامشي وقضايا المجتمع المدني،مركز البحوث العربية ،ندوة القاهرة 1990 م ص،115,136,318,319,354

* ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني{ترجمة ربيع وهبة}، مكتبة الإسكندرية، ص: 89,116,148,168,193,263,48

* موسى الأمين، مسار تطور القضية الأمازيغية {الحلقة الرابعة والسادسة}،2016م جديد تيفي.

* محمد أرجدال، تاريخ المجتمع المدني في الثقافة الشعبية الأمازيغية.

* دليل الجمعيات الأمازيغية، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

* عبد الحنين شعبان، في فلسفة الدولة والمجتمع المدني- الحوار المتمدن- عدد 2724، سنة 2009م

 

* مناضل التنسيقية

شاهد أيضاً

الفدرالية الأمازيغية نظام حطمه الاستعمار الفرنسي لبسط نفوذه بالمغرب.

شكوكي أمنار //   لعل أبرز مفهوم في هذا العنوان العريض هو مفهوم الفيدرالية الأمازيغية. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه:
Visit Us On FacebookVisit Us On Youtube