الرئيسية / أبحاث و دراسات / رشيد عاشور: الأمازيغية والمسألة الديمقراطية في المغرب

رشيد عاشور: الأمازيغية والمسألة الديمقراطية في المغرب

رشيد عاشور

شكلت القضية الثقافية واللغوية إحدى القضايا الكبرى عبر التاريخ المغربي المعاصر. ذلك أن النقاش حولها كان دائما محتدما بين أغلب الفاعلين السياسيين، لاعتبارات أديولوجية مختلفة. حيث ان المسألة ترتبط بأوجه الصراع الأيديولوجي، والاجتماعي، والثقافي المستمر. صراع يشمل كتناقض رئيسي مجال الحقوق اللغوية والثقافية والحريات الأساسية. وأضحت المسألة الديمقراطية في المغرب من هذه الزاوية تتنازعها الرهانات السياسية المحدودة منذ الاستقلال. بطغيان وهيمنة الأيديولوجي وتهميش السياسي للثقافي.
ولم يتم تناول قضية التعددية اللغوية والثقافية بالمغرب، إلا مع التحولات التي أفرزتها المستجدات السياسية الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان. وانتقال مجموعة من القضايا الداخلية إلى دائرة الاهتمام الدولي منها الحقوق الثقافية، والتي أضحت لها مكانة أساسية كذلك في أي مشروع تنموي. ولقد كان للتحولات الدولية أثر ملحوظ في تزايد مطالب ونضالات الأمازيغ بشمال إفريقيا، وأثرت بشكل ملموس وتدريجي على مقاربة الدولة والفاعلين مع القضية الأمازيغية.
وتناول موضوع الأمازيغية هو تحديدا تناول لجزء من إشكالية الديمقراطية بالمغرب، حيث ان الأمازيغية جزء أساسي من منظومة الحقوق الثقافية واللغوية في زمن أصبحت فيه الثقافة بمثابة المدخل الأساسي للدمقرطة، انها معيارا لقياس مؤشر ديمقراطية الفاعلين والمؤسسات. فلا يمكن الحديث عن الدولة الديمقراطية في غياب فاعلين مؤسسات ديمقراطيين. كما لا يمكن للديمقراطية أن تترسخ كبناء قاعدي، اذا لم تأخد في مضامينها هذا العمق الثقافي في دمقرطة بنيات المجتمع.

ان الممارسة الديموقراطية بأبعادها تشكل مدخلا لتدبير المشاكل والاختلافات، وضمانة للتعايش المجتمعي. وعلى تغيير فعلي في المؤسسات والقوانين وصيانة الحقوق الأساسية للمواطنين دون تمييز. وفق نظم قانونية ومؤسسات دستورية وسياسية ملائمة خاصة مبنية على احترام الحقوق العامة، ويراعي فيها التعدد المجتمعي وتحظى بثقة المواطن. وتؤسس لفضاء عمومي تضمن فيه الحريات الأساسية للأفراد والجماعات، ضمانا للارتقاء بالثقافة الديمقراطية.
وترتبط الأمازيغية بمعادلات التحديث والدمقرطة، والمجتمع التعددي كقيمة جوهرية. ومعطى لأي تعاقد جديد ثقافي وسياسي بين الفاعلين والمواطنين، فهي تفرض انتاج سياسة لغوية عقلانية ديمقراطية تحافظ على الثروة الرمزية بانتاج قوانين قرارات لغوية متوازنة. فالديمقراطية باعتبارها مجموع الضمانات المؤسساتية التي توحد العقل والتنوع والحرية حسب ألان توران، فلا ديمقراطية بدون حرية ولا تعدد سياسي بدون قوانين ملائمة. كما أن أي مشروع للتحديث السياسي لا يمكن أن يغفل الأمازيغية بحكم تأسيسها على مرجعية الحقوق والحريات وعلى العلمانية كألية لتدبير التعددية.
ان المسألة الديمقراطية كمنظومة، هي كل متجانس لا يمكن معالجة قضية دون أخرى نظرا للارتباط الموجود بين أساسياتها المؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا يمكن الحديث عن ديمقراطية بدون عمق ثقافي، ومن المؤكد أن الوعي بالخصوصيات هو المنطلق الذي أسست عليه كافة الدول الديمقراطية للتوازن الاجتماعي والسياسي. وأي تغيير حقيقي في المجتمع لا يمكن أن يتحقق بدون وعي ثقافي.
ان السعي نحو تحقيق المجتمع الديمقراطي رهين بهذه الحقيقة وبتخلص الدولة عن المنطق الشمولي والارث المركزي الذي حكمها منذ الاستقلال الى اليوم، والطرح الأمازيغي يقوم على إعادة النظر في الأسس التاريخية والسياسية والثقافية والأيديولوجية للدولة وخياراتها الكبرى و مدى حقيقة البناء الديمقراطي المغربي.
وظهور الحركة الأمازيغية كفاعل رئيسي وكحركة حقوقية انسية تعتمد الشرعية الدولية لحقوق الانسان لشرعنة مطالبها الديمقراطية مرتبط بهذا الاشكال وهو غياب الديمقراطية في اطار الدولة والأحزاب السياسية، وتأسيسها الفعلي مع ميثاق أكادير 1991 كان بسبب التهميش السياسي للأمازيغية مؤسساتيا، وقانونيا، منذ الاستقلال والرغبة في التحرر من الثقافة السائدة.
ان هيمنة ثقافة على أخرى، والإقرار بثقافة عالية وأخرى متدنية، واعتبار خطاب الخصوصية الثقافية تهديدا لثقافة الاجماع . جعل التقعيد الثقافي للديمقراطية في المغرب متعثرا أو بعيدا عن المعناه الحقيقي لعقود من الزمن.
فبالرغم من مسار تطور القضية الأمازيغية والدينامية التي واكبتها منذ تسعينات القرن الماضي الى حدود العقد الأول من الألفية الثالثة، يبقى ومن دون أدنى شك شعار- مطلب “لا ديمقراطية بدون أمازيغية” الذي رفعته الحركة الأمازيغية قبيل التعديل الدستوري لسنة 1996 وقبيل مشاركة أحزاب الكتلة الديمقراطية في حكومة التناوب التوافقي 1998 ودخول المغرب ما سمي بمرحلة الانتقال الديمقراطي، وقبيل قيام الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي بلقاءات، وحوارات، مع مختلف الهيئات والتيارات السياسية والمنظمات الحقوقية، والتشديد على استعجالية انصاف الأمازيغية، لا يزال قائما الى اليوم بالرغم من التحول المتناقض في مقاربة الدولة للأمازيغية والرغبة في تجاوز واقع فرض على الفاعلين وتحديدا المؤسسة الملكية منذ 1994 (خطاب اللهجات بمناسة عيد العرش)، الى خطاب أجدير واكتساب المشروعية المؤسساتية بتأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001، وبداية مسلسل تسييس القضية واعتبارها مجالا محفوظا للملك، وموضوعا بعيدا عن التنافس السياسي الحزبي. الى الشرعية القانونية بالاقرار الدستوري 2011 واصدار القانون التنظيمي 16/26، الذي يفقد الى النجاعة القانونية والى المقاربة الديمقراطية الفعلية.
فبقدر ما وفرت المأسسة، والدسترة المشروعية الديمقراطية للأمازيغية وأكدت قوة الفاعل الأمازيغي منذ 1967، بقدر ما ساهمت في تحديد أفق القضية الأمازيغية وتقليص دينامية الفعل الأمازيغي داخليا وخارجيا. ومن شأن التناقض المؤسساتي والقانوني والسياسي الذي يعتمده الفاعلون لتدبير القضية الثقافية الأمازيغية تعثر كل محاولة بناء مشروع وطني ديمقراطي.
بعض المراجع المعتمدة :
o أحمد بوكوس، مسار اللغة الأمازيغية الرهانات والاستراتيجيات..
o عبد اللطيف أكنوش، تأملات في اشكالية دسترة الأمازيغية، من أجل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، سلسلة الدراسات الأمازيغية، تحاليل ووثائق وراءاء،
o محمد اوتركين ، المسألة الأمازيغية بالمغرب بين ارادة الضبط ودينامية المحيط، ، المغرب في مفترق الطرق، منشورات وجهة نظر..
o حسن يد بلقاسم، حول الحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية، 1992..
o عصيد أسئلة الثقافة والهوية في المغرب المعاصر..
o ديمقراطية دون ديمقراطيين، مؤلف جماعي..
o الأمازيغية ورهان الانتقال الديمقراطي في المغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام..
o التنظيم الدستوري للمجتمعات التعددية..

 

مناضل تنسيقية تنزروفت
باحث في العلوم السياسية و القانون الدستوري

شاهد أيضاً

الفدرالية الأمازيغية نظام حطمه الاستعمار الفرنسي لبسط نفوذه بالمغرب.

شكوكي أمنار //   لعل أبرز مفهوم في هذا العنوان العريض هو مفهوم الفيدرالية الأمازيغية. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه:
Visit Us On FacebookVisit Us On Youtube