الرئيسية / أبحاث و دراسات / مقاربة تفكيكية للخطاب الأمازيغي :بحث في الأصول و تأسيس لأفق – الجزء الأول –

مقاربة تفكيكية للخطاب الأمازيغي :بحث في الأصول و تأسيس لأفق – الجزء الأول –

رشيد الحياني *

تتبادر إلى أذهاننا في البداية، رزمانة من الأسئلة التي قد نستثمرها لاحقا كمدخل و بوابة لإستكناه و محاورة الموضوع، أول هاته الأسئلة هي: لماذا التفكيك ؟وما هي العلاقة المفترضة بينه و بين الخطاب الأمازيغي ؟ وكيف يمكن للتفكيك أن يساعدنا في تشريح العقل الأمازيغي كهامش و في الوقوف عند المسكوت عنه و اللامفكر فيه بقوة الإكراه و السلطة و آليات المراقبة و المعاقبة …؟

ماذا نقصد بالتفكيك “déconstruire”: هو حركة و إستراتيجية و نشاط أرضيته الفكرية هي إبستم البوستموديرنيزم أو ما يمكن أن نسميه فلسفة ما بعد الحداثة أو فلسفة الاختلاف من الناحية الفلسفية و يمكن أن نموقعها خطيا و اتصاليا من جينيالوجية نيتشه إلى حدود تفكيكية دريدا و دولوز وأركيولوجية فوكو و براغماتية رورتي و هيرمينوطيقا غدامير و ريكور …وفي حقيقة الأمر لا يهم متى وأين ظهرت حركة التفكيك هاته بقدر ما يهمنا نحن راهنيتها، و تهمنا مقولاته و ميكانيزمات إشتغاله لكي نحاول من منطلقها أن نشرح الخطاب و نفككه، والتفكيك يجعلنا منذ الوهلة الأولى نطرح سؤال كيف نفكر بالإختلاف و في الإختلاف و كيف أن تفكيرنا هو إختلاف ؟ و التفكيك في جوهره فلسفة إستراتيجية تسعى إلى كسر منطق الثنائيات (داخل/خارج، مركز/هامش، مثال/واقع …) ولا يعني التفكيك مطلقا الهدم إنما يتضمن فعل البناء في جزء كبير منه و كل ما يقوم به هو : -تفكيك وحدة ثابتة إلى عناصرها ووحداتها المؤسسة لمعرفة بنياتها و لمراقبة وظيفتها – تجاوز كل الثنائيات عبر حلقة الاختلاف التي تناهض حلقة التطابق و التماهي – قراءة الخطابات قراءة إختراقية تخترق سمك النسيج الخطابي و تكسر النواة الصلبة التي تؤسس منطقه و تحكم نسقه و تزيح المفاهيم و الدلالات..

هدم منطق الحضور و مركزية الذات وعلى ضوء هذا التحديد المفاهيمي لما نقصد به تفكيك، فكيف يمكن لنا أن نحدد مفهوم الخطاب على ضوء هذا التفكيك؟ أو بصيغة ثانية ما هو الخطاب (ماهية الخطاب)…؟

الخطاب : بنية رمزية من المفاهيم و التصورات و الأفكار، و البنية هنا ترتبط بدلالة الإيقاع و الإنتضام و غير خاف على غالبية مثقفينا أن الخطاب هو من أهم المفاهيم التي يوظفها ميشيل فوكو في قراءته للثرات الفلسفي، و على هذا الأساس سيكون رائد الأركيولوجية الفلسفية حاضرا وبقوة في تحليلنا هذا بدرجة عالية. و الخطاب في نظره لا يشكل تصور ولا نظرية و إنما هو نظام و ممارسة تخضع لقواعد خاصة و معايير تابثة، و هو كغيره من المنتوجات لا يسلم من العوائق و الإكراهات و الممارسات العفوية، و الخطاب في تشكيله يستدعي توفر إجراءات خارجية و داخلية … بالنسبة للإجراءات الخارجية يجملها فوكو في ثلاث عناصر:

  • الموضوع : عن أي شيء يتحدث الخطاب؟

2-الظرف : وفق أية دواعي يتحدث؟

 3-الذات : من يتحدث؟

 أما فيما يخص الإجراءات الداخلية فهي تراقب عملية إنتاج الخطاب و توزيعه و استهلاكه و تشمل:  

1-الشرح و التعليق 2-تحديد بنية الخطاب و عملية مراقبته 3-عقلنة الخطاب و تقييده، وقد حدد فوكو إجراءات أخرى وهي هامشية تضم طريقة إشتغال الخطاب و الوظائف و المواقع التي يشغلها الأفراد في توجيهه وإدارته أو احتكاره أو استغلاله في لعبة الصراعات المتبادلة في مجتمع المشهد … كل هاته التوضيحات و الأفكار تعتبر أرضية نظرية و فكرية لكي نؤسس للعلاقة المفترضة بين التفكيك و الخطاب و الأمازيغية، و سنتوقف عند شروط إنتاج الخطاب الأمازيغي و ميكانيزمات اشتغاله و مواقع كثله و علاقاته المتقاطعة و الصدامية مع خطابات أخرى …

كان المنعرج و الانعطافة التي رافقت تشكل “النسق الخطابي الأمازيغي” هو ذالك الإبدال الذي يمكن أن نسميه (براديغم) الذي رافق عملية البناء و النسج و الحياكة وراح معه الخطاب ذلك الخيط الناظم الذي كان الحافز لكي ينتقل الفاعل الأمازيغي من حقل الثقافة الشفوية و التمرد الرمزي والعلاماتي و ثقافة المقاومة إلى حقل التداول المعرفي المفاهيمي و الانخراط في الكتابة و ركب الحداثة الإنسانية … وهذه الانعطافة تضعنا أمام إشكالات متعددة أهمها :

هل الخطاب الأمازيغي استوفى شروط البناء فيما يخص الذات البناءة و ظرفية البناء و وموضوعه؟

 ثانيا وفق أي أساس نظري بادر في هاته العملية و هل هناك توافق في البناء؟…

لكي نجيب عن هذه الأسئلة نبدأ النقاش بالإجابة عن سؤال: عن أي شيء يتحدث الخطاب الأمازيغي ؟ الخطاب يتحدث عن عمليات الإنصاف و رد الاعتبار للثقافة الأمازيغية ككل مركب في مجالات متعددة و أصعدة مختلفة … متى ووفق أية دواع تشكل الخطاب ؟ مع بروز كتلة و نخبة من أبناء الهامش راكموا معرفيا و نظريا في احتكاكهم مع المناهل المعرفية وفي حفرهم المعرفي أيضا تاريخهم القيمي و المؤسساتي وكانت دواعي ذلك حدة الحصار و الشلل المفروض أيديولوجيا و سلطويا على ثقافتهم بكل تعبيراتها و كذالك كل أشكال الطمس و الاستبداد التي يصرفها الخطاب الرسمي  – من يتحدث ؟ يتحدث العقل الأمازيغي كهامش بمثقفيه و تاريخه و مؤسساته الاجتماعية الديمقراطية و نسقه الاجتماعي …وبالتالي فالشروط الخارجية للبناء إلى حد ما يمكن أن نقول أنها قائمة بالذات ونسبيا يمكن أن نتحدث عن وجود نسيج خطابي لا ينفك ينمو و يتضاعف و يزرع في الحقل الاجتماعي لكن يبقى سؤال المشروعية مطروحا إلى حين تفكيك عمليات إنتاجه و توزيعه و استهلاكه …

وبالتالي فثمة نشاط خطابي يتجسد في الآثار الأدبية و الفنية و الأنساق الفلسفية و الإجراءات القانونية و السياسية و الدينية، فما علينا الآن إلا أن نحدد بنية هذا الخطاب و عمليات مراقبته و فحصه و إنتاجه و توزيعه و الشرط الضروري لإقرار نظام الخطاب، و شرعية المكتوب هو أن يكون له مؤلف على حد تعبير فوكو، إذن من حقنا أن نتساءل من كتب الخطاب الأمازيغي و هل هناك مرجع جامع و مانع له يقودنا إليه وهل لنا في مكتباتنا مرجع تحت عنوان الخطاب الأمازيغي؟ فعلا لا وجود له، كل ما يوجد هو مراجع شاملة و عامة أحيانا في التاريخ أو الثقافة ،السياسة… لكن حتما وبشكل مؤكد لا وجود لمرجع يحيلنا أنه هناك خطابا أمازيغيا، وهنا يحق لنا القول أن ما هذا الخطاب هو أنه أقر موت المؤلف (بصيغة رولان بارت ) منذ تشكله ولا يقدس المؤلف بل هو خطاب متاح للجميع وللكل الحق في أن يقتحمه من زاوية نظره ومن موقعه .

هو خطاب تحرري بدرجة أولى لا يأمن بالثقافة النصية كما هو حال الخطابات الأخرى المتداولة …هو قفزة نوعية في مسارات الإعتراف يحاول تنصيص الواقع أي أن يصبح الواقع نصا نقرأ عبره و من خلاله قضايا الوجود و الكرامة و الحرية و ليس تحنيط النصوص و تقديسها و تأليها أحيانا…بمعنى يصبح الواقع نصا و يصبح النص واقعا هنا نستحضر نموذج البطة الأرنبة في سيكولوجية الغشطلت…لكن يعاب على الفاعلين في مسار بنائه أنه في إطار إحتكاكهم و إصطدامهم مع الخطابات الأخرى تأثروا بمثنها سلبا وراحو منفعلين و متماهون معهم في إستراتيجية التنزيل و التقعيد و في خطة العمل خصوصا مع تبني طرح المظلومية و مركزية الحظور و منطق الفضاءات المغلقة و تقديس الذات ومع هذا يتضح أنه هناك خلل في الفهم و الإستيعاب وهذا سنعود إليه لاحقا متسلحين بمطرقة لإزاحة ترسبات سوء الفهم و الإنحراف …
تعطي مسألة التداخل هته بين النص/الواقع قوة و مناعة للخطاب لكي يبقى خيطا ناظما بين البعد الرمزي الشفوي التاريخي و البعد المعرفي الراهني الواقعي النصي يجعلنا هذا نأثر و نتأثر بكل المرجعيات و الافكار و التصورات التي قد تمنحنا سفرا سعيدا نحو قارة المعنى وفك رموز الذات وتحديد موقعها في علاقتها بالسلطة في مختلف تجلياتها(سلطة الأنا و الأخر)…
والجانب الثاني المثير للجدل في عملية البناء هو إشكالية كون الخطاب مؤسس معرفيا من عدمه وبالتالي من حقنا أن نتساءل مع الجماعة العلمية التي إنخرطت في عملية البناء أغلبهم يشتغل في موقعه المعرفي دون أن تجتمع كل هته الطاقات في مقاربة توافقية شاملة لمناحي معرفية متعددة نقصد بذالك هل لهم أساس نظري/واقعي متكامل الأركان ومتفق عليه على الأقل يكون هو نفسه موضوع الخطاب لكي تحدد بعد ذالك مواقع الخطاب بشكل دقيق و وواضح
وجدير بالذكر أن هذا النبش و التفكيك في الأسس أردنا منه ألا يكون نسقيا وإتصاليا لغرض أننا نقارب الموضوع بنشاط يرفض النسق و يستبعده أردنا أن تكون مفاتيح لأقفال و رؤى أولية تحفز على البحث و التعمق فعلا قد أهمش جوانب كثيرة في نقاشي هذا لكنني أبقى وفيا لرؤيتي التفكيكية هته…
فيما يخص جانب التأسيس لأفق سأضعه على شكل خلاصات و رهانات وهي كالأتي:
1- نحن في حاجة ماسة إلى نقد مزدوج (نقد الذات أولا في شخص العقل الأمازيغي المركب و نقد الأخر المختلف ) نتوقف على ضوئه عند مطباتنا و منابعنا ولكي لا نعيد إنتاج المركزية و الحظور و نفتح بدالك مناخا إختلافيا للعمل و البناء في صيغه المتجددة …
2- التخلص من كل المثل التي كانت أساسا لنا ولمدة طويلة كمفهوم الحداثة مثلا وإعادة قراءة قراءة الثرات بتصورات إختلافية جمالية و إستراتيجيات تفكيكية جينيالوجية تأويلية
3- تنزيل وتقعيد الخطاب في إستراتيجية للعمل واضحة المعالم و متكاملة الأركان.

*مناضل التنسيقية

إطار تربوي

شاهد أيضاً

الفدرالية الأمازيغية نظام حطمه الاستعمار الفرنسي لبسط نفوذه بالمغرب.

شكوكي أمنار //   لعل أبرز مفهوم في هذا العنوان العريض هو مفهوم الفيدرالية الأمازيغية. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه:
Visit Us On FacebookVisit Us On Youtube